مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح

اللغة‭ ‬العربية‭..‬ والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‮


 ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬ظاهرة‭ ‬انتشار‭ ‬الأسماء‭ ‬الأجنبية‭ ‬فى‭ ‬شوارعنا‭ ‬ومحالنا‭ ‬ومناطقنا‭ ‬السكنية‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالذوق‭ ‬أو‭ ‬التطور‭ ‬أو‭ ‬مواكبة‭ ‬العصر،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬قضية‭ ‬ثقافية‭ ‬تستحق‭ ‬التوقف‭ ‬أمامها،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬التى‭ ‬تحمل‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمة‭ ‬وذاكرتها‭ ‬وملامح‭ ‬شخصيتها،‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬اللافتات‭ ‬والعناوين‭.‬
ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬شوارع‭ ‬ومجمعات‭ ‬سكنية‭ ‬وقرى‭ ‬ومدنًا‭ ‬جديدة‭ ‬تحمل‭ ‬أسماء‭ ‬أجنبية‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬إلى‭ ‬البيئة‭ ‬المصرية‭ ‬بصلة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬انتشار‭ ‬أسماء‭ ‬المحال‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمقاهى‭ ‬والشركات‭ ‬باللغات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن‭ ‬أحيانًا‭ ‬يعيش‭ ‬فى‭ ‬مكان‭ ‬مصرى،‭ ‬لكنه‭ ‬يشعر‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الأسماء‭ ‬الأجنبية‭ ‬وكأنه‭ ‬فى‭ ‬مدينة‭ ‬أوروبية‭ ‬أو‭ ‬أمريكية‭.‬
لا‭ ‬يعنى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬رفض‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬أو‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬اللغات‭ ‬الأجنبية؛‭ ‬فالانفتاح‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭ ‬أمر‭ ‬مطلوب،‭ ‬واللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬أدوات‭ ‬مهمة‭ ‬للعلم‭ ‬والعمل‭ ‬والمعرفة‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬اللغة‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬للتواصل‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬لغتنا‭ ‬فى‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة،‭ ‬وعندما‭ ‬يصبح‭ ‬الاسم‭ ‬الأجنبى‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬فى‭ ‬نظر‭ ‬البعض‭ ‬لمجرد‭ ‬أنه‭ ‬أجنبي‭.‬
إن‭ ‬الاسم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحروف،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬وذاكرة‭ ‬وهوية‭. ‬فعندما‭ ‬نطلق‭ ‬على‭ ‬شارع‭ ‬اسم‭ ‬أحد‭ ‬أعلام‭ ‬الوطن،‭ ‬أو‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬علمائه،‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬تاريخية‭ ‬مؤثرة،‭ ‬فإننا‭ ‬نربط‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بتاريخها،‭ ‬ونمنح‭ ‬المكان‭ ‬قيمة‭ ‬ومعني‭. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬نستبدل‭ ‬هذه‭ ‬الأسماء‭ ‬بأسماء‭ ‬أجنبية‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬معناها‭ ‬أو‭ ‬سبب‭ ‬اختيارها،‭ ‬فإننا‭ ‬نفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬المحلية‭ ‬تدريجيًا‭.‬
الأخطر‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬والشاب‭ ‬هما‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بهذه‭ ‬الظاهرة؛‭ ‬إذ‭ ‬يتشكل‭ ‬وعيهما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بهما‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬وصور‭ ‬ورموز‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬حاضرة‭ ‬فى‭ ‬الكتب‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬الشاب‭ ‬فى‭ ‬الشارع‭ ‬والمحال‭ ‬والمجمعات‭ ‬السكنية‭ ‬أسماء‭ ‬أجنبية،‭ ‬فقد‭ ‬يتولد‭ ‬لديه‭ ‬شعور‭ ‬بأن‭ ‬لغته‭ ‬أقل‭ ‬قيمة،‭ ‬وأن‭ ‬التقدم‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بالتخلى‭ ‬عنها‭.‬
وهنا‭ ‬يأتى‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬والمحليات‭ ‬وأجهزة‭ ‬التخطيط،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أصحاب‭ ‬المحال‭ ‬والمشروعات‭ ‬والمطورين‭ ‬العقاريين،‭ ‬فى‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭. ‬ومن‭ ‬الممكن‭ ‬اختيار‭ ‬أسماء‭ ‬عصرية‭ ‬وجذابة،‭ ‬وفى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تكون‭ ‬عربية‭ ‬واضحة،‭ ‬أو‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬المكان‭ ‬وشخصياته‭ ‬ورموزه‭ ‬الوطنية‭ ‬والثقافية‭.‬
كما‭ ‬يجب‭ ‬تشجيع‭ ‬استخدام‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬اللافتات‭ ‬العامة،‭ ‬وعدم‭ ‬السماح‭ ‬بأن‭ ‬تصبح‭ ‬اللغة‭ ‬الأجنبية‭ ‬هى‭ ‬اللغة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التى‭ ‬يراها‭ ‬المواطن‭ ‬فى‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭. ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬ليس‭ ‬مسئولية‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬مسئولية‭ ‬المجتمع‭ ‬كله‭.‬
إننا‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬أبوابنا‭ ‬أمام‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ندخل‭ ‬العالم‭ ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬نحن‭. ‬فالهوية‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬الحداثة،‭ ‬والاعتزاز‭ ‬باللغة‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬الانغلاق،‭ ‬وإنما‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬نمتلك‭ ‬الثقة‭ ‬الكافية‭ ‬فى‭ ‬ثقافتنا‭ ‬وتاريخنا‭.‬
إن‭ ‬الشارع‭ ‬الذى‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬عالم‭ ‬مصرى،‭ ‬والميدان‭ ‬الذى‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬شخصية‭ ‬وطنية،‭ ‬والمحل‭ ‬الذى‭ ‬يعتز‭ ‬باسمه‭ ‬العربى،‭ ‬كلها‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬فى‭ ‬ظاهرها،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬فى‭ ‬مجموعها‭ ‬صورة‭ ‬الوطن‭ ‬وذاكرته‭. ‬وإذا‭ ‬ضاعت‭ ‬الأسماء،‭ ‬ضاعت‭ ‬معها‭ ‬بعض‭ ‬ملامح‭ ‬الذاكرة؛‭ ‬وإذا‭ ‬تراجعت‭ ‬اللغة‭ ‬فى‭ ‬المجال‭ ‬العام،‭ ‬تراجعت‭ ‬معها‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭.‬
لذلك‭ ‬فإن‭ ‬معركة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬العربية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬اللافتة،‭ ‬ومن‭ ‬اسم‭ ‬الشارع،‭ ‬ومن‭ ‬عنوان‭ ‬المحل،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬نكتبها‭ ‬ونراها‭ ‬فى‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭. ‬فالهوية‭ ‬لا‭ ‬تضيع‭ ‬فجأة،‭ ‬وإنما‭ ‬تتآكل‭ ‬بصمت‭ ‬عندما‭ ‬نتخلى‭ ‬عن‭ ‬تفاصيلها‭ ‬الصغيرة‭.‬‮ ‬