رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
لم تعد ظاهرة انتشار الأسماء الأجنبية فى شوارعنا ومحالنا ومناطقنا السكنية مجرد مسألة تتعلق بالذوق أو التطور أو مواكبة العصر، وإنما أصبحت قضية ثقافية تستحق التوقف أمامها، خاصة عندما تتحول اللغة العربية، التى تحمل تاريخ الأمة وذاكرتها وملامح شخصيتها، إلى لغة غائبة عن كثير من اللافتات والعناوين.
ومن المؤسف أن نجد شوارع ومجمعات سكنية وقرى ومدنًا جديدة تحمل أسماء أجنبية لا تمت إلى البيئة المصرية بصلة، فضلاً عن انتشار أسماء المحال والمطاعم والمقاهى والشركات باللغات الأجنبية، حتى أصبح المواطن أحيانًا يعيش فى مكان مصرى، لكنه يشعر من كثرة الأسماء الأجنبية وكأنه فى مدينة أوروبية أو أمريكية.
لا يعنى الدفاع عن اللغة العربية رفض الانفتاح على العالم أو الاعتراض على تعلم اللغات الأجنبية؛ فالانفتاح والتواصل مع الحضارات الأخرى أمر مطلوب، واللغات الأجنبية أدوات مهمة للعلم والعمل والمعرفة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة الأجنبية من وسيلة للتواصل إلى بديل عن لغتنا فى الأماكن العامة، وعندما يصبح الاسم الأجنبى أكثر جاذبية فى نظر البعض لمجرد أنه أجنبي.
إن الاسم ليس مجرد مجموعة من الحروف، بل يحمل دلالة وذاكرة وهوية. فعندما نطلق على شارع اسم أحد أعلام الوطن، أو عالم من علمائه، أو شخصية تاريخية مؤثرة، فإننا نربط الأجيال الجديدة بتاريخها، ونمنح المكان قيمة ومعني. أما عندما نستبدل هذه الأسماء بأسماء أجنبية لا يعرف كثير من الناس معناها أو سبب اختيارها، فإننا نفقد جزءًا من الذاكرة المحلية تدريجيًا.
الأخطر أن الطفل والشاب هما الأكثر تأثرًا بهذه الظاهرة؛ إذ يتشكل وعيهما من خلال ما يحيط بهما من كلمات وصور ورموز. فإذا كانت اللغة العربية حاضرة فى الكتب فقط، بينما يرى الشاب فى الشارع والمحال والمجمعات السكنية أسماء أجنبية، فقد يتولد لديه شعور بأن لغته أقل قيمة، وأن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلى عنها.
وهنا يأتى دور الدولة والمحليات وأجهزة التخطيط، إلى جانب أصحاب المحال والمشروعات والمطورين العقاريين، فى تحقيق التوازن بين الحداثة والحفاظ على الهوية. ومن الممكن اختيار أسماء عصرية وجذابة، وفى الوقت نفسه تكون عربية واضحة، أو مستمدة من تاريخ المكان وشخصياته ورموزه الوطنية والثقافية.
كما يجب تشجيع استخدام العربية فى اللافتات العامة، وعدم السماح بأن تصبح اللغة الأجنبية هى اللغة الوحيدة التى يراها المواطن فى الفضاء العام. فالحفاظ على اللغة ليس مسئولية المؤسسات التعليمية وحدها، وإنما مسئولية المجتمع كله.
إننا لا نحتاج إلى إغلاق أبوابنا أمام العالم، بل نحتاج إلى أن ندخل العالم ونحن نعرف من نحن. فالهوية لا تتعارض مع الحداثة، والاعتزاز باللغة لا يعنى الانغلاق، وإنما يعنى أن نمتلك الثقة الكافية فى ثقافتنا وتاريخنا.
إن الشارع الذى يحمل اسم عالم مصرى، والميدان الذى يحمل اسم شخصية وطنية، والمحل الذى يعتز باسمه العربى، كلها تفاصيل صغيرة فى ظاهرها، لكنها تصنع فى مجموعها صورة الوطن وذاكرته. وإذا ضاعت الأسماء، ضاعت معها بعض ملامح الذاكرة؛ وإذا تراجعت اللغة فى المجال العام، تراجعت معها إحدى أهم أدوات الحفاظ على الهوية.
لذلك فإن معركة الحفاظ على العربية تبدأ من اللافتة، ومن اسم الشارع، ومن عنوان المحل، ومن كل كلمة نكتبها ونراها فى حياتنا اليومية. فالهوية لا تضيع فجأة، وإنما تتآكل بصمت عندما نتخلى عن تفاصيلها الصغيرة.